تُقدّم مسرحية “لعلّ وعسى”، من كتابة واخراج كريستال خضر، شهادات الممثلتين حنان الحاج علي ورندة الأسمر، في مسرح مونو في بيروت، قبل جولاتها الدولية لهذه الموسم.
“بالآخر ما بقي شي من المسرحيات الا الممثلين اللي مثلوا فيها. أوقات ذاكرتهم بتخونن، ببطلوا يتذكروا شي من مسرحياتهم، بالآخر بقي بلد بيتعاطى مع تاريخه كأنو أرشيف مسرح. بالآخر بقينا انا وياكي هون عم نمثل اول مسرحية مع بعض. هيدا اللي بصير بالآخر منمثل أول مسرحية”.
يكاد هذا الحوار يختصر العمل المسرحي “لعلّ وعسى” او يقدّم مفتاح الدخول إلى هذا اللقاء الذي جمع ممثلتين درستا واكتشفتا المسرح منذ الثمانينات، ولم تلتقيا الا اليوم على خشبة فارغة إلا من كرسيين في محاولة تذكّر أو توثيق حضورهما المسرحي. تنطلق المسرحية في تذكّر شريط زمني عن تاريخ مسرح لبناني غابت عنه الوثائق والصور، ولم يبق منه الا نتف أصوات أو شتات حوارات ولقاءات صحافية تمرّ على شكل ومضات لا يجمعها إلا الحماسة والشغف وجوائز المهرجانات وعلاقة الحب مع الجمهور بصوت روجيه عساف وبصوت فيروز التي، تصف مشاعرها حين تلتقي بالجمهور كل يوم. جمل مبتورة تشبة ذاكرتنا المتقطّعة بالتعامل مع تاريخنا وأعمارنا، فنقيم عليها شواهد واحداث حصلت بالتوازي معها، مثل تواريخ الحروب الصغيرة التي مرت علينا.
“كيف كنا عايشين؟!”
يتكرر هذا السؤال بين حنان الحاج علي ورندة الأسمر، في محاولة التذكّر أو إعادة تشكيل الزمان والمكان في حكاية عمرهما. تخرجا من جامعة واحدة قسمت بين شطري الغربية والشرقية في بيروت. وبين الشطرين كانت اللقاءات القليلة حسب الظروف الأمنية التي تسمح أو لا تسمح. ايمتى شفتيني أول مرة عالمسرح؟ كيف شفتيني وقتها؟ أسئلة تتكرر وهي تحاول التذكّر أو ربطها بأحدات العبور بين الشطرين. تختلط التواريخ والأحداث بين الشارع والمسرح. العيش تحت الأرض في الملاجىء وعبور الحواجز والتعرض للأخطار، حتى مشاركتهما في اعمال حصدت الجوائز في المهرجانات العربية. الإيمان بالمسرح كعمل تغييري عند حنان وتجربتها مع فرقة الحكواتي، والإيمان بالمسرح كفعل حياة واستمرار عند رندة الأسمر وتجربتها مع المخرج ريمون جبارة في مسرحية “صانع الأحلام”. تختلط المواقف والهموم التي اتت بالممثلتين الى المسرح. حنان التي درست المسرح من دون علم والدها، وحيلة نساء العائلة نجحت في حضوره عرض مسرحي قالوا له إنها أمسية شعرية في الجامعة الأميركية لشاعره المحبوب، ليُفاجاً بابنته على الخشبة. والد رندة الأسمر كان أول الواصلين الى الجامعة ليرى نتائج امتحانات الدخول، ليُفاجأ باسمها من بين اوائل المقبولين، ورغم نذره لشفيعته ان تتدخل وتمنعها من هذا النجاح.
سيرة ذاتية – سيرة مسرح
بين العام والخاص تتنقل الأحداث وتتداخل، بين حكايا شخصية وذاكرة جمعيّة تتحاور الممثلتان. وبين سيرتيهما الذاتية وسيرة المسرح اللبناني وأبطاله من مخرجين وممثلين أرادتها الكاتبة والمخرجة كريستال خصر أن توثق ما أمكن أو أن توجه التحيّة لأجيال متعاقبة طواها النسيان.هل نحن في هذا العمل أمام سرد تاريخي زمني لحقبة من الانتاج المسرحي أم سرد لحقبة من تاريخ هذا البلد؟ وحده الخوف من النسيان هو الثابت في هذا العمل، هو الذي يجمع العام بالخاص، يجمع الممثلتين ويدفعهما للتذكّر. لعل تذكر رضى خوري، كان بدافع الخوف من النسيان، تسأل رندة: “هل تصدقين أن رضى خوري لا يوجد أي أرشيف لها.. ثم تروي لنا عن إحدى سيدات المسرح التي كرست حياتها له، وأصيبت بأواخر عمرها بالزهايمر. في إحدى المرات صمتت رضى خوري على المسرح لمدة دقيقة كاملة، وعندما حاول الممثل أمامها مساعدتها للتذكّر وإكمال الحوار، عادت بعد صمتها وبدأت المسرحية من أولها. تذكُّر الممثلات مثل تذكُّر المسارح التي رحلت. تتساءل الممثلتان اين مسرح البيكاديللي ومسرح بيروت ومسرح بابل التي بيعت كراسيه؟ ومسرح أورلي الذي أصبح مطعماً للمناقيش وغيره من المسارح التي طوتها الذاكرة كما طوت أبطال خشبتها؟
أنا الممثلة
رغم كل هذا الحزن الذي يلف مَن حولنا، ترفض الممثلتان الا التذكّر والمواجهة، ورغم كل الخيبات والقرارات الشخصية الصعبة التي اتخذتاها في حياتهما والألم الشخصي وصعوبات العيش. تقف الممثلتان لتقولا: “أنا الممثلة التي قالوا لها: أكيد ستكونين معنا ولم يتصل بها أحد.. أنا الممثلة التي استدانت لتسدّد إيجار بيتها، ثم استدانت لتردّ دينها.. أنا الممثلة التي وقعت على المسرح وكسرت كتفها ثم طلعت على المسرح في يوم الافتتاح مع عصا..”. ولتعيدا من بعد هذا الألم، مونولوغات من علامات مضيئة في حياتهما على المسرح. “روزا” في مسرحية “صانع الأحلام” والتي نالت عليها رندة الأسمر جائزة أفضل ممثلة في مهرجان بغداد المسرحي. وحكاية الحاج محمد الذي لم يتحمل ألم الفقد والمجزرة فرفع ثيابه على رأسه ومشى الى عرض البحر.
لا يدّعي العرض المسرحي “لعل وعسى” توثيق المسرح في لبنان الثمانينات كاملاً، ولا يفي العرض سيرة الممثلتين الشخصية والمهنية. هو أشبه بتحيّة لهما ولرائدات قبلهما ولأجيال بعدهما. هو الاحتفال بالمسرح وببعض تجاربه، بأدوار مرّت عليه من توقيع حنان الحاج علي ورندة الأسمر، وغداً أدوار أخرى لهما وعروض أخرى.