“الكتب تُهجر لقصص تُروى على تيك توك: أزمة محتوى أم تغيير أدوات؟”

 

كارولين ياغي- الشراع

في زحمة المقاهي البيروتية، حيث تضيع الأحاديث بين رشفات القهوة وضجيج الشارع، قلّما ترى كتابًا على الطاولة. غابت الصفحات الورقية لتحلّ مكانها شاشات مضيئة، وأصبح الإنصات لمقطع قصير على تيك توك أكثر شيوعًا من التوغّل في فصل من رواية. ليست المسألة مجرد تبدّل عادات، بل تحوّل في العمق: من يملك رواية الزمن اليوم؟ من يسرد؟ ولمن؟
لا يمكن إنكار التحوّل الجذري الذي أحدثه تيك توك، ومنصات الفيديو القصير عمومًا، في طريقة استهلاكنا للمحتوى. أصبح السرد البصري المختصر هو “الكتاب” الجديد لجيل لم يعش تفاصيل المكتبات الورقية، ولا انتظر صدور رواية بشغف ليبتلعها في ليلة واحدة. اليوم، القصة تُحكى بصوت سريع، وصورة لامعة، وموسيقى “ترند”.
لكن هل المشكلة في القارئ أم في الكُتّاب؟ هل هي أزمة محتوى أم مجرّد تبديل أدوات؟
الجواب ليس بسيطًا.
الواقع أن المحتوى الثقافي لم يختفِ، بل تغيّر شكله. كثيرون اليوم يشاركون أفكارهم العميقة عبر فيديوهات قصيرة؛ يختصرون روايات كاملة في دقيقة؛ ويلخّصون كتبًا فكرية معقّدة بطريقة تجعلها أقرب إلى الجمهور. فهل هذا يُعدّ تبسيطًا مخلًّا أم ديمقراطية معرفية؟ ربما الأمران معًا.
في لبنان، حيث كان الكتاب يومًا صديق الجيل الطالع، بات الحديث عن القراءة نوعًا من الحنين. لم تعد معارض الكتب مزدحمة، ولم نعد نرى الأطفال يحملون قصصًا صغيرة على الشاطئ. صار الهاتف هو الرفيق، والقصة تُشاهد لا تُقرأ. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل المشكلة في انصرافنا عن الكتب، أم في شكل الكتب ذاتها؟ وهل يُلام القارئ حين لا يجد نفسه في لغات صعبة لا تُشبهه، ولا في سرد بعيد عن يومياته؟
من الظلم أن نختزل هذه الظاهرة بنبرة هجومية على “الجيل الجديد”. فهم لا يرفضون المعرفة، بل يبحثون عنها بلغتهم. ومن واجبنا أن نسأل: لماذا لم نعد قادرين على ابتكار محتوى يزاوج بين العمق والبساطة وبين المتعة والمعرفة وبين الورق والشاشة؟
الكتب لم تمت. لكنها تئنّ، وتنتظر من يعيد إليها الحياة.
ربما ليس عبر إحياء الماضي، بل عبر فهم الحاضر، والكتابة بلغة هذا الجيل لا على حساب المضمون، بل على قدر شغفه.
في نهاية المطاف، ليست المعركة بين الورق والشاشة، بل بين التفرّغ للمعنى والتشتّت بين آلاف القصص السريعة. وكما كتب المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” يومًا:”ما من حضارة تموت قتلاً، بل غالبًا ما تموت انتحارًا”.
فهل نكون شهودًا على انتحار القراءة؟ أم صُنّاعًا لصيغة جديدة من الحكاية… تحفظ جوهرها، وتواكب زمنها؟