زهراء” ضحية عنف شقيقيها: الاعتداء على النساء حدث يومي

كنت مطمئنة أن لا عنف ينال مني وأنا محاطة بدفء أبي، لكن يا أبي أخوتي الذكور لا يحبونني حدّ القتل، لا يريدونني بينهم”. جملة واحدة، لخصت فيها أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية، زهراء الطشم (40 سنة، لبنانية)، أطروحات مطولة عن معاني الخيبة والقنوط والصدمة، بعد إماطة اللثام عن عنف وحشيّ من إخويها، سلخها اعتباطيًا عن موجبات الطمأنينة الأوليّة. معانٍ تستهلكها نسوة لبنان كخبزهن اليومي الملطخ بالعجز والذعر الموصول أمام هول الذكورية الهوجاء، وانفجارها المباغت في وجوههن وأجسادهن، وأحيانًا أرواحهن.
عنف وحشيّ
نشرت المحاضِرة وأستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية زهراء الطشم، مساء الأمس 2 آذار الجاري، منشورًا على صفحتها في “فايسبوك”، تناولت فيه وبلهجةٍ شبه استسلامية، وقائع تعرضها لعنف جسدي وحشي وضرب مبرح على يدّ شقيقيها، علي سهيل الطشم (37 عاماً)، ومحمد سهيل الطشم (43 عاماً)، على خلفية “نزاعٍ على الإرث”. مذيلةً المنشور بصورتين للكدمات المنتشرة على وجهها ويديها وهي على سرير مشفى البتول في الهرمل. وفيما لم تقتصر جريمة شقيقيها على الضرب المبرح وحسب، بل تعدت ذلك لتشمل سرقة موصوفة لمستنداتها العقارية وأوراقها وبطاقاتها الثبوتية والجامعية، ومن ثم اعتداء وتخريب ممتلكاتها الخاصة، من بيتها وصولاً إلى سيارتها، بأسلوب كيديّ وهمجي. وبالرغم من رفع المجنيّ عليها شكاوى قضائية بحقهما، لم يلبِ أي منهما استدعاءات المخفر للتحقيق، بل استأنفا إجرامهما علانيةً ومن غير خشية من تبعاته القانونية والأخلاقية.
وفي حديثها مع “المدن” اعتبرت زهراء الطشم أن الخلاف بينها وبين شقيقيها استهل بوفاة والدها منذ سنة، والذي كان قد ترك بيت العائلة لزهراء وسجله باسمها قبل وفاته، بعد خلافات طويلة مع أولاده الذكور. وشددت أن هذه الخلافات قد انتقلت لتشملها بالأخذ بالحسبان شخصيتها المستقلة وغير الآبهة بتهديدات أخيها المتكررة ولهجته العالية والتصعيدية وعلاقتها المميزة مع والدها. أما في تفاصيل الاعتداء عليها بالضرب بتاريخ 27 شباط الماضي، فأشارت إلى أنه تمّ ضربها وسحلها من أمام منزلها، فيما قام أخوها الأكبر محمد، وهو عنصر في الأمن العام، بصفعها على وجهها وداس عليه بحذائه العسكري راميًا إياها على الأرض وذلك أمام أطفاله، ومن ثم قام أخاها الثاني الذي شارك بالتعنيف الجسدي وابتدأه بسرقة محفظتها التّي فيها مفاتيح البيت وغيرها. وفيما حاولت الاتصال بالقوى الأمنية وهي تحت التعنيف لم يقم العناصر بأداء واجباتهم بالشكل المناسب، وأغلقوا الخط معها بالرغم من صرخاتها وأصوات أخويها المعنفين.

جرائم بغايات كيديّةوأضافت: “أتت إحدى صديقاتي لنجدتي والذهاب بي إلى أقرب مشفى وهربنا سويةً، وبعد تلقي العلاج اللازم، والاستحصال على تقرير من الطبيب الشرعي، قمت فورًا بالتوجه إلى المخفر والادعاء على كل منهما. ومن ثم قمت اليوم بتقديم شكوى بسرقة أوراقي الثبوتية والعقارية والجامعية ومال وذهب من منزلي، الذي وجدته مبعثراً لدى عودتي من المخفر، فيما غدًا سأتوجه مجددًا إلى المخفر لتقديم شكوى بتكسير سيارتي وسرقة الموجودات فيها”.
ولفتت إلى أنها تعرضت لضغوط مستمرة بسبب الإرث، تخللها عنف نفسي ولفظي وتشويه سمعة اجتماعية منذ ما قبل الاعتداء. وبالرغم من نأيها بنفسها المتواصل عن الاحتكاك بإخويها اللذين كانا قد ضمرا كيديّة وراكما حقدًا كبيرًا عليها. واليوم وفيما تقف زهراء غاضبةً ومصدومة أمام هول الذي لحق بها من إخويها، وغير قادرة على تفسيره منطقيًا أبدًا. مشيرةً أنها كانت تتوقع منهما تصرفات رجعية وذكورية، لكنها لم تتخيل وفي أسوأ السيناريوهات أن يتم تعنيفها بهذه الوحشية والذكورية الصفيقة، فيما كانت قد حصنت نفسها بالعلم والاستقلالية والسيرة الطيبة.
وفي سؤالها عن ثقتها بالقضاء اليوم، وإن كانت تعول عليه للاستحصال على العدالة ورد الاعتبار الذي سلب منها جزئيًا، أكدّت أنها تتخوف صراحةً من تقاعس القضاء عن الإتيان بالحكم المعبر بحق المعنفين قائلةً: “أهم دليل على هذا الأمر، هو عدم تمكن القوى الأمنية من توقيفهما للآن”. وفيما اعتبرت أن أخيها المنتمي إلى جهاز أمني من المفترض أنه مولج بتطبيق القانون وردع المخالفين، لكنه هو من يقترف الجرائم الشنيعة من دون خشية من العقاب. وكررت أنها سترفع صوتها أمام بطش المعنفين وتخاذل السّلطات عن حمايتها. معتبرةً أن التضامن الشعبي الذي لحقها مضافًا لتضامن سكان منطقتها هي ما تعول عليه في الوقت الحاضر. داعيةً “النساء والفتيات إلى عدم الرضوخ، وأن يرفعن أصواتهن بوجه التعنيف الذكوري بكافة أشكاله”. منددةً بالذين اعتبروا أن مثل هذه المسائل من غير المستحب نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام، معتبرةً أن هذه الضغوط الاجتماعية هي محض تكريس للأبوية والذكورية التّي تقتل وتعنف وتعتدي على النساء يوميًا.

ولعل موضوع الميراث هي من أكثر الموضوعات الشائكة والمهمشة في النقاشات العامة، إذ أن ظاهرة الحرمان الاعتباطي من الإرث على اللبنانيات من باب العرف والتقليد تارةً أو في المحاكم الشرعية تارةً أخرى، هو عنوان عريض يختصر نكبة حقوقية وانتهاك صارخ لمبدأ المساواة والعدالة. وما قضية زهراء إلا امتداد واضح لسجلٍ طويل من قضايا النساء اللبنانيات اللواتي إن لم يتم تعنيفهم جسديًا فإن أنساق وأنماط العنف الصفيق تجترح حياتهن يوميًا.
المدن

Comments (0)
Add Comment