جيل بلا انتماء: لماذا يهرب أبناؤنا من كل ما يشبه هذا الوطن؟
الاعلامية أماني نشابة
في بلدٍ يُرفع فيه شعار “حبّ الوطن من الإيمان”، يبدو أن الوطن نفسه لم يعد يحب أبناءه. جيل كامل ينفصل يومًا بعد يوم عن هويته، يهرب لا من الحرب، بل من العار، من الفشل المزمن، من مسرحية حكم تتكرر فيها الوجوه نفسها منذ ثلاثين عامًا.
جيلٌ فقد ثقته بالعلم، بالعدالة، بالسياسة، وبالمجتمع نفسه. جيل لا يبحث عن وطنٍ أكبر… بل عن وطنٍ أقل خيبة.
كان اللبناني، سابقًا، يحلم بالسفر مؤقتًا ليعود ويبني منزله على تلةٍ تطل على البحر.
اليوم، يحلم الشباب بالرحيل النهائي… بلا رجعة، بلا حنين، بلا دمعة.
هذا الجيل لم يعش “أيام العز”، لم يشهد لبنان السبعينات، ولا زمن الطرب السياسي الجميل.
ما رآه فقط: دولة تنهار، مصارف تسرق، قضاء يُكبّل، وشعب يصفق للجلاّد.
من أين يأتي الانتماء إذًا؟
من المناهج ؟
من نشيد الصباح في المدارس؟
من خطب الطوائف وشاشات التحريض؟
الانتماء لا يُعلّم… بل يُكتسب بالكرامة.
أخطر ما نواجهه ليس أن أبناءنا يسافرون، بل أنهم ينسلخون روحيًا عن هوية هذا البلد.
يتجنبون التحدث باللهجة.
يخجلون من جواز سفرهم.
يسخرون من النشيد الوطني.
ويشعرون بالعار من البطاقة الهوية اللبنانية.
هذا الانفصال العاطفي مع الوطن هو أخطر من الحروب… أخطر من الانهيار المالي.
إنه انقراض بطيء لمعنى “الوطن” في ذهن جيل كامل.
لا تضعوا اللوم على الأبناء.
الجيل الجديد لم ينجح… بل أُفشل عمدًا.جيل علّمه النظام أن الطائفية أهم من الكفاءة.
أن الولاء للزعيم أهم من الولاء للوطن.أن الهروب من البلد هو أقصر طريق للنجاح.
أيها الشاب اللبناني،ربما لا تزال تؤمن بشيء صغير في داخلك اسمه لبنان…
ليس لبنان الشاشات… بل لبنان الذي يشبهك أنت: بلا طائفية، بلا زعيم، بلا إذلال.
ابقَ غضبك مشروع، تمردك شجاع، وصوتك… أقوى من سلاحهم.
لبنان لا يحتاج إلى من يحبه فقط، بل إلى من يصلحه، إلى من يبنيه من تحت الركام.
وإن لم يكن لهذا الجيل، فلمن إذًا؟
هذا البلد ليس ملك الزعماء ولا الميليشيات ولا المصارف… بل ملك من لم يغادره بعد.
وإن قرر هذا الجيل ألا ينتمي… فعلى من تبقى أن يسأل نفسه: من الذي خانه أولًا؟