
عاشت أم توفيق في ذلك الحي الذي غيّرت الأيام معالم بنائه، وهجره ساكنوه الأصليون، وشوّهت أيادي الناس جماله العذري و تم انتزاع أسمه منه فبات يُعرف بشارع حوش العبيد.
شارع الحرية، ملاعب الصبا ومهد الطفولة لأم توفيق وجيرانها وأقربائها. وتعود بها الذكريات الى ما كان يحيط بهذا الشارع من بيوت وحدائق وتتذكر الإستخانة ( أي الخان) الذي كان يقع في آخر الشارع مقابل مدرسة بطرس، وكان يضم المستأجرين الذين سكنوا في غرفه. واليوم لم يعد له من آثر ولا من يذكره إلا القلة الباقية. فحتى ذاكرة المدينة أصبحت مصابة بداء النسيان والخرف.
أم توفيق سكنت مع أهلها في بيت مؤلف من طابق واحد تحيط به حديقة كلها ياسمين وورود كانت والدتها رحمها الله تزرعها وتهتم بها. والى جانب بيتهم سكن آل رستم وكان بيتهم مؤلفاً من طبقتين: طبقة للإستقبال والثانية للمنامة. في المقابل، كان آل صالح يسكنون هناك وكان بيتهم في السابق عبارة عن مخفر سواحل قديم . ويحكى أنه في سنوات الثلاثينات من القرن المنصرم، كان الضبع يأتي ويدق بذيله على الباب. وتدل هذه الخبرية على إفتقار تلك المنطقة للسكان والبيوت و على بعدها عن الداخل في تلك الحقبة من الزمن.
لم تكن العيشة صعبة، ولم تكن الحياة إلا ساعات فرح وصدق ومحبة يتخللها بعض الحزن. فأم توفيق جاءت مع أهلها الى هذا الحي الهادئ في سنة 1954 وتركته في بدايات الحرب الاهلية في لبنان.
وتتذكر السيدة السبعينية “الجمعات” التي كانوا يقومون بها يومياً ، ويعدون فيها التبولة، ويسهرون ويتسامرون كأنهم عائلة واحدة. ففي هذا الشارع بالذات سكنت عائلات آل صباغ،و آل رستم، وآل الصالح، وأل مغربل ،وآل شانوحة وآل مبيض وآل مولود . وقد خرج منها الأطباء والمهندسون والقباطنة و المدرسون الثانويون . وعاشوا وكبروا معاً وكانت أيامهم أفراحاً بأفراح. وتهز ام توفيق رأسها وتقول:” يا بنيتي أيامكم غير أيامنا . كانت المحبة والإلفة تجمعنا معاً وكنا عائلة واحدة.” وتكمل:” كان عمي يسكن في البيت المقابل لنا . كنا نجتمع يومياً في الحديقة المحيطة بمنزله و ننتظره حتى يعد لنا الارانب التي كان يربيها في قسم من هذه الحديقة.”
وتتابع:” كنت استيقظ على صوت المبيِّض الجوال الذي كان يصيح ويوقظنا صباحاً:”مبيِّض… مبيض اواني… مبيض طناجر.”وكنت اركض بعدها الى سور حديقتنا وأنتظر السيدة العجوز التي تعيش في كوخ ملاصق لحديقتنا، وكانت تقوم باعطائنا حليب المعزة الطازج والبيض للترويقة والدجاج البلدي للغداء.”
وتختم:”أتذكر تلك اللحظات بفرح وسعادة لكنني ما كنت ادرك الصيف من الشتاء في تلك المنطقة البحرية التي لم تخلُ من الهواء والرطوبة . واكثر ما كان يخيفني في ليالي الشتاء هو صوت الهواء الذي يعصف كعويل الذئاب.”
مصدر عيون الناس