
كارينا أبو نعيم
المواجهة
لاحظ والد جدي تغيراً كبيراً على ابنه الذي بدأ يكثر من خروجه، ويقصد المدينة ويطيل المشاوير فيها. فساوره الشك وتوجس شراً، وأرسل من يتحرى عن موضوع ابنه، فاكتشف السبب، وعلم أن فلذة كبده يقابل إحدى الفتيات في كل زيارة له إلى المدينة. لم يعجبه هذا الوضع، وقرر أن يضع حداً لهذه “المغامرة الصبيانية”. فطلب في أحد الأيام أن يجتمع به بعد إنتهاء عمله في مكتبه. فوصل جدي إلى مكتب أبيه، وولج من بابه الواسع بعد أن أخضع إلى فحص تأكيد الهوية من خلال جهاز يستشعر جلد القدمين. فكان والده منشغلاً في إطلاع مدراء الفروع الذين تم إستحضارهم عبر ممرات النجوم عن جداول شيفرات الروبوتات الجدد.
انتظر جدي نسيم في غرفة الضيوف لحين انتهاء والده من الإجتماع، وجالت في رأسه عشرات الأسئلة حول الأسباب التي دفعت بوالده إلى أن يطلب رؤيته، وبعد ساعة تقريباً، اُستدعي جدي نسيمأ إلى مكتب والده، وانعزلت الغرفة سمعياً ومرئياً عن الجميع.
كان حديث والد جدي يشوبه الإبهام بادئ الأمر، لكن حين رأى أن ابنه لم يستوعب تلك الرموز توجه إليه بشكل مباشر قائلاً:” من هي هذه الفتاة التي من أجلها بدأت تزور المدينة؟”. كان يتوقع جدي نسيم أن يوجه إليه هذا السؤال، لكن ليس بهذه السرعة.
تسمر جدي أمام سؤال والده وتردد كثيراً في الإفصاح عن حقيقة مشاعره خوفاً من اعتراض والده على فكرة الإرتباط المبكر.
أعاد والد جدي طرح السؤال نفسه على نسيم:” من تكون هذه الفتاة التي تقابلها باستمرار؟” ودون سابق تفكير أجاب نسيم:” حبيبتي وخطيبتي”.
إنفرجت أسارير والد نسيم وتمتم قائلاً:” أخيراً…أخيراً سأفرح بك يا نسيم”. تجمد الدم في عروق جدي فهو لم يكن يتوقع رد فعل أبيه، وكان خائفاً من أن يعترض على فكرة الارتباط، غير أن والده فاجأه بالموافقة فتقدم منه واحتضنه بقوة قائلاً:”أنا واثق يا نسيم من إختيارك”.
كانت المرة الاولى التي يحتضنه فيها والده منذ أن كان صغيراً، ولم يشعر بمثل هذا الفرح الذي احتل كيان والده، ولاحت دمعة هاربة حاول سريعاً أن يمحسها قبل أن يراها نسيم.
“فرحتي بك اليوم لا توصف، لقد انتظرتُ هذا النهار بفارغ الصبر، وكنت خائفاً أن لا يأتي وأنا ما أزالُ على قيد الحياه، أتمنى لو أن والدتك الحبيبة معنا هنا لتشاركنا هذه الفرحة؛ أتعلم يا نسيم؟ أفتقدها بشدة كل يوم. أتمنى يا بني أن يكون إختيارك صائباً، وأن تكون هذه الفتاة مؤهلة لأن تؤتمن على إرث العائلة.”
إستوقفته الجملة الأخيرة من حديث والده، وسرح يفكر في أبعادها. ماذا يقصد والدي بإرث العائلة؟ فنحن عائلة لا إرث لها إلا عملها وانتاجها العلمي، يا ليتني أستطيع أن استوضح منه ماذا يقصد، فهذا الرجل لا يطلق كلماته جزافاً.
أكمل والده الحديث وتمنى على نسيم أن يبدأ التحضيرات استعداداً لاقامة حفل الزفاف، استغرب حماسة والده ودخوله مباشرة في صلب التحضيرات من دون أن يخضعه إلى سلسلة من الاسئلة والاجوبة، ومن دون الغوص في الحديث عن اجراء الفحوصات وإجراء مسح DNA ليتأكد من عدم وجود أي من الأمراض الوراثية. فوالده لا يفقه إلا بلغة العلم ولا يؤمن إلا بقوة العلوم والتكنولوجيا.
عند إنتهاء الإجتماع، خرج جدي من مكتب والده مباشرةإالى غرفة الإجتماعات، حيث ينتظره الطلاب مع كمال. وكان مشوش الأفكار بعد هذه المواجهة، فدخل القاعة وألقى التحية على فريق عمله، وتلفتَ نحو كمال، وقال له هامساً:” نجتمع في مقهى المدينة بعد الإنتهاء من هذا الاجتماع فالأمور ما عادت تحتمل أي تأجيل.”
في الواقع، لمِ يكن ذهن نسيم حاضراً بل كان غارقاً في أفكاره خارج هذا الكوكب. وما إن إنتهى الإجتماع، حتى قصد كلٌ من نسيم وكمال مقهى المدينة، ولم يخاطر صديقه، وهما في طريقهما الى المقهى، بطرح أي سؤالٍ، لأن وجه نسيم يُنذر بهبوب العاصفة.
دخلا صالة المقهىى فاستقبلهما رجلين آليين من أحدث الطراز المعدل من قبل شركتهما. بعد المسح الضوئي السريع، والتأكد من بيانات الزائرين، ظهرت طاولة ومقعدين رمى كمال بنفسه على واحد منهما، وباشر بتقليب لائحة الطعام المتواجدة أمامه على شاشة شفافة ظهرت في الهواء بينما جلس نسيم قبالته شارداً.
باشر كمال الحديث قائلاً:” ما بك يا صديقي؟ هل تشاجرت مع والدك؟” تأمل نسيم وجه كمال وأجابه بحزن:”لا . كانت الجلسة استجوابية بإمتياز ودارت حول علاقتي بـ”ندين”.”
توقف نسيم عن الكلام بينما كان كمال مصدوماً مما سمعه. فبادر صديقه متسائلا:” وماذا أجبته في هذا الخصوص؟” نظر نسيم مباشرة الى عيني كمال وقال:” أوقعت نفسي في الفخ”.
لم يتمالك كمال نفسه فأطلق ضحكة مدوية تبعتها سلسلة من نوبات الضحك المتقطع، حملت نسيم إلى الوقوف والتوجه نحو المنصة الإلكترونية لإلغاء الحجز. فاختفت الطاولة والمقعدين، ووقع كمال أرضاً، وهو ما يزال غارقاً في نوبة من الضحك.
استفاق كمال على هول الكارثة، واستغرب كثيراً من رد فعله، وقام عن أرض القاعة، وركض مسرعاً وراء صديقه الذي فرّ هارباً، وما لبث أن اختفى بلمح البصر.
مصدر عيو الناس