مسافة حلم بين موت او نجاة”

كتبت في تريبولي نيوز نور واكد

تردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشيّة والامنيّة دفعتهم الى المغامرة بارواحهم وارواح عائلاتهم..
عشرات الضحايا ما بين قتيل ومفقود في ما اُطلق عليها اسم (فاجعة قارب الموت)…

لاجراءات عمليّة تحد من نزف الوطن لجيل الشباب والعقول المفكّرة والسواعد المنتجة…
لا نأتي بجديد حين نقول ان لبنان يمر منذ سنوات طويلة باوضاعٍ اقتصادية مأساوية تلقي بظلالها الاليمة والموجعة على الواقعين المعيشي والامني مما دفع بالكثير من سكان لبنان الى اليأس وفقدان الامل لا سيما وان غالبية سكان لبنان باتوا يعيشون تحت خط الفقر بعد فقدان الآلاف لوظائفهم واعمالهم التي كانوا يؤمنون من خلالها لقمة عيش عيالهم،أضافة الى الانهيار المستمر لقيمة “الليرة اللبنانيّة” مقابل الدولار والارتفاع الجنوني باسعار السلع الاساسيّة من مأكلٍ ومشربٍ وملبس وما شابه ذلك من ضروريات ومستلزمات الحياة اليوميّة،هذا بالاضافة الى الانقطاع شبه الدائم ل”التيار الكهربائي” وعدم قدرة ارباب العائلات على تمديد “خطوط اشتراكات”،ما دفع بمئات ان لم نقل الاف العائلات اللبنانيّة ومن اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين في لبنان للهجرة “غير الشرعيّة” حيناً بالطائرات نحو “بلدان امريكا اللاتينية” وحيناً اخر عبر “قواربٍ” لا تستوفي شروط الآبار طمعا بالوصول الى اوروبا…

قوارب الموت وعصابات منظمّة…

منذ اكثر من ثلاث سنوات بدأنا نسمع عن “قواربٍ” و”مراكبٍ” تنطلق عبر بعض السواحل اللبنانية ولا سيما شمالاً وتقل على متنها مئات الاشخاص ومنهم عائلات باكملها،واللافت درجة اليأس التي دفعت بالبعض رغم معرفتهم بأهم قد يكونون وعائلاتهم وجبة شهية ل(ألحيتان) و(اسماك القرش) عندما يرون بأم العين ان “المراكب” المستخدمة لنقلهم لا تستوفي شروط الابحار وغير مجهّزة،كما ان عدد الركاب على متنها يفوق بكثير قدرتها على الاستيعاب ما يهدّدها بالغرق،وعلى الرغم فانهم يغامرون بحياتهم وبعائلاتهم طمعاً بالوصول الى “دولة اوروبيّة” من اجل حياة كريمة خالية من الذل والمهانة ولتأمين “لقمة العيش” او”حبّة الدواء”،ولعل “مركب الموت” الذي انطلق منذ قرابة الشهر من احد السواحل اللبنانيّة الشماليّة،وعلى متنه قرابة المئتي شخص وتسبّب ب”فاجعة” كبرى واليمة اذ غرق قبالة السواحل السوريّة ومات العدد الاكبر من المهاجرين على متنه بينهم عائلات باكملها،فيما بقي العشرات منهم في عداد المفقودين،ونجا منهم العدد القليل،ما هو الاّ دليل اكيد ولا لبس فيه ان الناس قد وصلت الى مرحلّة اليأس الحقيقي. وهذا يؤكد ان هؤلاء ضحايا الاوضاع الاقتصادية والمعيشيّة المترديّة والفقر وعدم الاستقرار النفسي والذهني جرّاء عدم القدرة على تأمين الطعام اليومي للعائلة،كما انهم ضحايا “عصابات منظّمة” تعمل في الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وتصوّر لهم “البلدان الاوربيّة” على انها “جنّة”…واللافت في الامر انه بعد حادثة غرق المركب فان بعض المصادر والمعلومات تحدثت عن اكثر من مركب غادر على متنه مئات الاشخاص عبر السواحل اللبنانيّة باتجاه “اليونان” و”تركيا” وهذا يؤكد ما أشرنا اليه بأن حجم اليأس الذي استبدّ بقلوب وعقول الناس جرّاء الاوضاع في لبنان…

قنبلة موقوتة وحلول جذريّة

انطلاقاً مما تقدّم فاننا نستنتج ان الوضع في لبنان عموماَ وفي شماله على وجه الخصوص ليس مقلقاً وحسب، بل هو بمثابة “قنبلة موقوتةٍ” ومعدّة للانفجار ولايعلم الاّ الله وحده متى يشتعل فتيلها لاسيما مع وجود “جيوش جرّارة” من العاطلين عن العمل والمحرومين من حقوقهم الانسانية وليس اقلها حقهم في تلقي العلم والطبابة والاستشفاء وهذا ما يهدد امن المجتمع واستقراره وسلامته,ولعل ما يزيد الامور خطورة وتعقيداً ان الدولة بمؤسساتها المعنية ووزارتها المسؤولة “شبه معطّلة” وقدّ صمّت آذانها واغمضت عيونها وضربت عرض الحائط بكل مطالب اللبنانيين واحتياجاتهم وتركتهم يفتشون عن مصيرهم بانفسهم ويترنحون ذات اليمين وذات اليسار كمن يقبع في “مركب” بعرض البحر تتقاذفه الامواج العالية والعواصف العاتية،وهذا يستدعي من الدولة ووزاراتها المختصّة ومؤسساتها التدّخل العاجل من اجل رأب الصدع وايقاف نزف الشباب من جسد الوطن، من خلال العمل على استقرار الاوضاع الاقتصاديّة والامنية ،من خلال انشاء مشاريع انمائيّة تٌسهم بتوفير فرص العمل،وضبط الاسعار في الاسواق،وملاحقة كل متلاعب بالسلع الضرورية للمواطنين والمقيمين ، وبغير هذا فان “قوارب” الهجرة غير الشرعيّة ستظل تمخر عباب البحر وربما نكون امام فواجع اخرى…!!

*ملاحظة : صورة الغلاف من تصميم نورهان قصقص*