طرابلس ليست حاضنة للفقر… هناك من يرعى الفقر فيها عن قصد!

طرابلس ليست حاضنة للفقر… هناك من يرعى الفقر فيها عن قصد!

بقلم: الإعلامية أماني نشّابة

طرابلس ليست مدينة فقيرة، بل مدينة فُقّرت عن سابق إصرار وتصميم. في طرابلس، لا ينام الناس على جوعهم فقط، بل على شعورهم بأنهم يُستعملون كوقود في لعبة أكبر منهم. مدينة تُترك عمداً في العتمة، بينما تُضاء عواصم الفساد من عرقها.

الفقر في طرابلس ليس حالة اجتماعية عابرة، بل أداة سياسية قذرة. يتم تضييق الخناق على أهلها اقتصاديًا، ثم يُطلب منهم التصفيق لكل من يوزّع فتاتًا على شكل “مساعدة إنمائية” أو “مكرمة انتخابية”.

طرابلس ليست ضحية قدر، بل ضحية منظومة. منظومة تُتقن لعبة الإفقار حتى صار الفقر فيها سلعة تُستثمر في صناديق الاقتراع، وواجهة تُستعمل لتبرير تقصير الدولة وعجزها. يُراد لها أن تبقى رهينة الوعود، متسوّلة حقّها، خائفة من الغد.

لكن، من قال إن طرابلس عاجزة؟ طرابلس مدينة ولّادة. فيها طاقات تُهاجر، وأدمغة تُكتم، وصوتٌ يُقمع لأنه لا يناسب “الصورة المطلوبة”. هذه المدينة لا ينقصها شيء سوى أن يُرفع عنها الحصار غير المُعلن.

لماذا تُرسم صورة طرابلس على أنها خاصرة رخوة؟ لماذا تُوصم دائمًا بالفوضى؟ الجواب واضح: لأن في مكان ما، هناك من يُتقن صناعة الفقر وتغذيته وترويجه.

ما تحتاجه طرابلس ليس صدقة سياسية، بل كسر الحصار. تحتاج إلى مشروع لا يبتزها، إلى إنماء لا يُستخدم كرشوة، إلى دولة لا تزورها فقط حين تشمّ رائحة بارود أو دخان احتجاج.

طرابلس ليست عارًا على خارطة الدولة، بل الدولة هي من تعاركت مع عدالتها.

كفى تشويها. كفى تسويقًا لمدينة على أنها عبء، بينما الحقيقة أنها محرومة. طرابلس ليست الحاضنة… بل المخنوقة، والمخونة، والمقصودة.

أعيدوا النظر: ليس في طرابلس، بل في مرآة السلطة.

وهنا، لا بدّ من أن نسأل: هل ننتظر من المنظومة نفسها أن تُنقذ طرابلس؟ وهل مَن سرق الخبز قادر على أن يُطعم الجائع؟

إن الإنقاذ الحقيقي يبدأ من طرابلس نفسها، من وعي أهلها، من كسرهم لحلقات التبعية، من نبض الشارع حين يرفض الترويض باسم الزعامة. المدينة التي خرجت من الحروب، ووقفت على حافة الانهيار مرات، لا تحتاج وصيًّا جديدًا، بل مشروعًا صادقًا يؤمن بها.

طرابلس لا تحتاج مزيدًا من الخطابات الرنانة، بل إلى من يحمل وجعها دون استثماره. إلى إعلام لا يطارد أخبارها عند الدم فقط، بل ينصفها عند الأمل. إلى قضاء لا يخاف زعيمًا، ومؤسسة لا تخشى الحقيقة.

نعم، طرابلس ليست الحاضنة للفقر، بل المختنقة به. لكنها، رغم كل شيء، مدينة لا تموت.